الجمعة، 28 مارس 2014
4:14 م

الانقطاع المبكر عن الدراسة: ارتفاع في الأرقام يؤكد تدهور المنظومة التربوية في تونس

...



ظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة، ظاهرة تربوية تعليمية تعرف تزايدا مستمرا تختلف نسبتها من سلك تربوي إلى آخر، ومن مؤسسة تعليمية إلى أخرى ومن جماعة حضرية إلى جماعة قروية. ففي سنة 2012 بلغ عدد المنقطعين عن الدراسة 100 ألف تلميذ وفقا للأرقام الرسمية. زيادة بلغت 30بالمائة مقارنة بالسنوات الماضية.

تعود أسباب الانقطاع المدرسي إلى عديد العوامل منها: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية و النفسية و تردي المنظومة التربوية وبعد المسافة عن المدرسة إلى جانب المشاكل التنموية للجهات الداخلية.

''إلى قراو ماتو والي ماتو قراو عليهم '' بهذه العبارة بدأ أيمن  البالغ من العمر 17 سنة والمنقطع عن الدراسة منذ سنتين حديثه وهو يدخن السيجارة تلو الأخرى:
:" انقطعت عن الدراسة نظرا للأوضاع المادية المتردية. أنا أكبر إخوتي و أبي أرهقه المرض ومصاريف التعليم باهظة جدا خاصة أصبحت الدروس الخصوصية ضرورة ملحة لنجاح التلميذ''.

أيمن ليس الشاب الوحيد الذي حكمت عليه الأوضاع أن يحرم من العلم و المعرفة. حسب أخر الإحصائيات لوزارة التربية فانه بلغ عدد التلاميذ المنقطعين عن الدراسة 100 ألف منقطع للسنة  الدراسية الفارطة.


أرقام وإحصائيات

يؤكد مدير كاهية الإحصاء بوزارة التربية طارق بلحاج صالح

 :"أن  نسبة الانقطاع عن الدراسة  تكون مرتفعة في الولايات الداخلية على غرار ولاية جندوبة وسليانة والقيروان والمهدية وسيدي بوزيد والقصرين  .وذلك بسبب  الظروف الاجتماعية القاسية و مشاكل التنمية وعدم توفر الظروف الملائمة للدراسة لانهيار البنى التحتية لبعض المؤسسات التربوية و بُعد المسافة بين المدرسة  و مقر إقامة   التلاميذ"

". حيث يقضي التلاميذ قرابة  نصف ساعة وأحيانا ساعة للوصول إلى المدرسة يعبر خلالها  الأودية و تعترض طريقهم   الكلاب السائبة ما زاد من خوف الأولياء على أبنائهم  خاصة الفتيات ليضحى الانقطاع عن الدراسة  الحل الأنسب  لحمايتهم من الأخطار. 
في هذا الصدد يقوم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية بدراسة ميدانية حول الانقطاع المدرسي لرصد  أسباب هذه الظاهرة شملت الدراسة  9  ولايات منها  تونس الكبرى،  بنزرت، المنستير،  القيروان، القصرين، جندوبة وقابس. ستكون نتائج هذه الدراسة في كتاب سيصدر الشهر المقبل.

صرّح أمين عام النقابة العامة للتعليم الثانوي التابعة للاتحاد العام للشغل السيّد الأسعد اليعقوبي أن ظاهرة الانقطاع المدرسي  متجذرة قبل الثورة و لكن ليس بالحجم الذي نلاحظه اليوم إذ أن هذه  الظاهرة مرت بمرحلتين قبل الثورة شهدت نسبة الانقطاع  عن الدراسة   80 ألف تلميذ فيما ارتفعت إلى  100  ألف منقطع عن الدراسة بعد الثورة ".

 تعود أسباب انقطاع التلاميذ عن المدرسة  حسب النقابي إلى  ضعف المنظومة التربوية و مناهج التكوين  و ضعف  النظام التأديبي داخل المعهد .

كما أضاف أن نقص المدرسين ذوي الكفاءات العالية على الصعيدين العلمي و البيداغوجي وظهور ظاهرة الدروس الخصوصية جعلت عديد التلاميذ ينقطعون عن الدراسة.  أيمن من التلاميذ الذين عاشوا هذه الظاهرة  :'' حدث لي يوما إني دخلت القسم و قالت لي الأستاذة بالحرف الواحد:' وقتاش بش تجي تقرا عندي في الدار' ''.
و يؤكد السيد اليعقوبي أن الأسباب الاقتصادية لها دور كبير في الانقطاع المدرسي. غلاء المعيشة و عدم قدرة بعض العائلات على تأمين اللوازم المدرسية لأبنائهم و عدم قدرتهم على دفع مصاريف الدروس الخصوصية هذه الأسباب جعلت عديد التلاميذ يتركون مقاعد الدراسة للعمل لمساعدة العائلة.

أيمن : لي أربع إخوة جميعهم يدرسون أنا أكبرهم سنا مصاريف دراستهم باهظة جدا لذلك اضطررت للانقطاع عن الدراسة حتى أساعد أبي على تحمل هذه المصاريف 
و يضيف النقابي أسباب الانقطاع  :"  ارتفاع نسبة البطالة ونقص التشغيل  و انسداد الآفاق  و التجاذبات السياسية داخل البلاد زادت  من تخوف التلاميذ و قلقهم على مستقبلهم".
الإحباط الناتج على تجارب الأقارب و الأصدقاء جعلت بعض التلاميذ يفقدون الأمل في المنظومة التربوية منهم أيمن الطفل المنقطع:   
"رغم تحصل ابنة خالتي علي الأستاذية منذ أكثر من خمس سنوات إلا أنها لا تزال تشتغل في مغازة عامة، ما الفائدة من سنوات مضت لم تحصد منها  سوى شهادة  تآكلت بالغبار منذ سنوات؟  لماذا اتعب نفسي و أنا مصيري الالتحاق بصفوف العاطلين عن العمل؟ لماذا أرهق كاهل الدولة و أطالبهم بحقي في التشغيل؟ ".
 تعددت الأسباب و اختلفت و طالت الجانب النفسي الذي  يؤثر على التلميذ  كالتفكك الأسري أو فقدان احد الأبوين  . وفي هذا النطاق يقول السيد اليعقوبي

 :" التغيرات الفيزيولوجية و السيكولوجية التي يمر بها  التلميذ أثناء فترة المراهقة و المشاكل الأسرية  تفقد التلميذ  القدرة على التركيز داخل القسم مما  يساهم في تغيبه عن المعهد".

حيرة وتخوف تنتاب الأولياء

 إن أغلب العائلات التونسية أصبحت متخوفة على مستقبل أبنائها أمام تنامي ظاهرة الانقطاع المدرسي. يقول أحد الأولياء الذين تحدثت معهم:" أرغب في أن يواصل ابني دراسته ويتحصل على شهادات علمية تمكنه من إيجاد فرصة عمل وإن كان الوضع الحالي مغاير لهذا لا بد أن تتحسن الأوضاع. إعادة تنظيم المنظومة التربوية و خلق حوار بين التلميذ و محيطه المدرسي وإعادة النظر في كفاءات الأساتذة ضرورات أساسية لإصلاح التعليم ".

تقول الولية  منية بتخوف شديد :"أخاف أن تصبح ظاهرة الانقطاع عادية كغيرها من الظواهر وينساق التلاميذ وراءها، فالأطفال بطبعهم محمولون على عدم الانضباط و الجنوح إلى اللهو و لهذا يجب  تأطيرهم على مستوي العائلة وتوعيتهم بأهمية الدراسة وضرورة مراقبتهم ويجب أن تسعى الدولة لحلّ مشاكل  التشغيل والبطالة  حتى تستعيد ثقة التلميذ الذي فقد الرغبة في مواصلة  الدراسة ".

كيف نواجه هذه الظاهرة

تقول "جويدة" أستاذة تعليم ثانوي تكمن  الحلول للحد من هذه الظاهرة  في اعتماد " سياسة الترغيب و ليس الترهيب" و ضرورة مراقبة الأولياء لأبنائهم و إصلاح المنظومة التربوية ومع وجوب تماشي  البرامج مع متطلبات التلميذ.ضرورة خلق الحوار بين التلميذ والمحيط  المدرسي و ذلك عن طريق المرشدين الاجتماعيين و الأخصائيين النفسانيين خاصة و أن هناك كثير من التلاميذ يفكرون في الحرقة اعتقادا منهم أن المستقبل ينتظرهم هناك يقول أيمن :

" احلم بالعيش في  أوروبا و بما اننى  لست من الأغنياء أو من المتفوقين لترسلني الدولة للدراسة في الخارج يبقي الحل الوحيد في الحرقة''
  تضيف الأستاذة أن التكثيف من مدارس التكوين المهني ضرورة تسهل للتلميذ الذي يواجه صعوبات في التكوين العام أن يحظى بفرصة تكوين في القطاع المهني.

 ظاهرة الانقطاع المدرسي تزيد من  معدلات الأمية والبطالة  و تضاعف حجم المشاكل الاجتماعية كانتشار السرقات و الاعتداء على أملاك الغير وتضعف البنية الاقتصادية للمجتمع والفرد,كما تفرز في المجتمع ظواهر كعمالة الأطفال واستغلالهم في جرائم منظمة , مما يؤدي إلى ضعف المجتمع وانتشار الفساد وما تسببه من أثار سلبية في نفسية التلميذ وتعطل مشاركته الفعالة والمنتجة في المجتمع. 
تونس الدولة التي وضعت منذ الاستقلال مسالة التعليم في أعلى سلم أولوياتها لبناء دولة حضارية و شعب مثقف تواجه مرحلة الخطر إذا صنفت تونس حسب  البرنامج الدولي لمتابعة مكتسبات التلاميذ من بين المراتب الخمس  الأخيرة على مقياس يحوي خمس و ستين  دولة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق